التيار السّلفى فى السّودان واختلاق الأزمات

الهجوم الجائر على شيخ النيّل أبوقرون نموذجاً
خطورة الدّور التحريضى لصحيفة الإنتباهة


د. عادل عبدالقادر بابكر

أغسطس 2011

 

تستمد التنظيمات والتيارات الفكرية السلفيّة قدرتها على البقاء من اختلاق الأعداء أو التحرّش بأعداءٍ مفترضين وهذا هو ما يجعل هذه التنظيمات تجنح إلى تضخيم حجم أعداءها الوهميين والنفخ فى نارالتخويف منهم ، فى نفس الوقت الذي تطرح فيه نفسها كحامية ومنقذة للدّين والمجتمع من خطرهم الماحق. والسلفيّة فى جوهرها يصلح اعتبارها نمط تفكير لا علاقة ضرورية له بدين معيّن ولذلك نجد أنّ المنتمين إلى هذا الفكرعلى اختلاف أديانهم مغرقين فى تصنيف الآخرين بسبب أنه فكرٌ متعصبٌ آحادى النظرة وقائمٌ على عزل الآخر وإقصاءه. ولإنجازذلك يسلكون فى بلداننا كل السبل ويستخدمون كل الوسائل بدءاً بوسائل قتل الشخصية مروراً بتعبئة وإلهاب المشاعرونهايةً بالتهديد وإصدارفتاوى التبديع والتضليل والتكفير. وبالطبع يتحينون الفرص لإنجاز ذلك فيصطادون أي خلاف فى الرأى مهما كان صغيراً ويستخدمونه وقوداً للتصعيد بعد تضخيمه. فعلى سبيل المثال من يبدى فهماً جديداً أو يرد فهماً قديماً لآيةٍ قرآنية يُتهم بالطّعن فى القرآن الكريم والخروج من الملّة وبالكفر والأخطر هو ما يترتب على هذه الإتهامات.

ما دعاني للكتابة هو الحملة الجائرة التى يتعرض لها مولانا شيخ النيّل أبوقرون من قبل أعضاء هذا التيار والتى يمكن متابعتها على صفحات صحيفة الإنتباهة والتى جاءت متزامنة مع حملة ضد وجودٍ شيعى مفترض فى السودان فى محاولة فيما يبدو للإيحاء بوجود رابط بين الإثنين. وقد كان هذا التصعيد مثل حدوث البرق من سماءٍ صافية على الأقل بالنسبة لى ، فلا علم لى بوجودٍ شيعىٍ فى السودان يستحق كل هذا التشنج وهذا التهديد ولا أرى أن وجود طائفة من طوائف المسلمين بالبلاد مهما كان حجمها يحتاج إلى إذن من جماعة أوتنظيم أو طائفة أخرى كما لا أرى أن إعادة إنتاج الحملة السابقة ضد مولانا شيخ النيّل وإعادة فتح ملف تم إغلاقه منذ سنوات طويلة له ما يبرره الآن سوى قضاء حاجةٍ فى أنفس البعض. يعضٌد ذلك ما تم من إعادة نشر البيان الذى صدر من ما سمٌى فى ذلك الوقت بشؤون التأصيل والتخطيط الإستراتيجى برئاسة الجمهورية على صفحات الإنترنت. (وسأناقش بعض النقاط التى أوردوها فى بيانهم لاحقاً).
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل فتحت الإنتباهة صفحاتها لكيل الإتهامات والسباب ضد شيخ النيٌل وأتباعه وبعض أفراد أسرته الكريمة ولعل أسطع مثال على ذلك هو ما جادت به مخيلة أحد سكان قرية أبوقرون والذى صنّف نفسه على أنه سلفى وجادت عليه الصحيفة بلقب شيخ والذى لم يوفر وقتاً فى إلقاء التهم كيفما اتفق حتى أنه بلغ به الأمر إلى إتهام مولانا شيخ النيّل بتهم يعف قلمى عن إعادة كتابتها ولكن يمكن إجمالها فى أنه ادّعى العيسوية وأباح المحرّمات وليخبرنا هذا (الشيخ السلفى) فى أيّ كتاب أو مخطوطة كتب شيخ النيّل ذلك ولماذا لم يقل بهذا الإدّعاء غير هذا الشيخ والأعجب أن الصحيفة لم تطالبه بإبراز الدليل على هذه الإتهامات الخطيرة ، أو الكف عنها أو عدم نشرها من الأساس لأن كل هذا الهذيان فيما يبدو قد صادف هوىً فى أنفس القائمين على أمرالصحيفة والتى لم تستحى صحفيّتها التى أجرت الحوارأن تسأله (كيف تسمحون بهذه المساخر فى طريقتكم؟) فى صورة من أبشع صور إنحطاط العمل الصحفى.
كما بلغ الأمر بهذا الشيخ المزعوم إتهام شخصٍ فى قامة وتاريخ ومقام شيخ صالح أبوقرون بتهم أيضاً يعف قلمى عن إعادة كتابتها. وشيخ صالح شخصٌ عرفْتُه كما عرفه بقية أفراد الشعب السودانى ولا أقول لم يُعرف عنه هذا البهتان ولكن أقول ما أّشيع عنه ذلك قط وعجبى لصحيفة تمسك بعصا التأديب والوعظ والإرشاد للآخرين أن تسمح لنفسها بنشر كل هذا البهتان وذاك الهذيان وإشانة السمعة مما تعاقب عليه قوانين الأرض والسماء فالله تعالى لم يسثن أحداً حينما قال: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) <الحجرات6> وقد قاموا بذلك وهم يعلمون أن له أسرة كريمة ممتدة وحوله معجبون ومحبّون ومريدون. وقد أتى كل ذلك كما قدّمْت بطريقة تصيّد الفرص وفى جو من الحديث عن حرمة الغناء بسبب أن شيخ صالح استخدم حقه الطبيعى فى الرد والدفاع عن وجهة نظر يتبناها فرأينا الإستنكار والنبرة الإستعلائية فى الحديث عن عدم أحقية الفنانين فى الحديث عن الفقه والدين ولا أدرى على أى شئٍ إستندوا للحكم بذلك فالكسب الفكرى لا تحدّه حدود وإمام المذهب الذى عليه غالبية السودانيين مالك بن أنس كان مغنيٌاً وهناك من يقول أنه لم يترك الغناء ولكن الذى تركه هو التكسّب بالغناء. وقد لفت نظرى إصرار الجريدة على أن شاهدهم هو أحد أعضاء أسرة مولانا شيخ النيّل فعلى الرغم من البيان الصادر عن الأسرة الكريمة بنفى ذلك إلا أن الجريدة أصرّت على أن تسأله عن موقف الأسرة من إصدارات شيخ النيّل وآرائه ولم يخيب هو توقعّاتهم ولا تعليق لدى.
وهذا يعود بى إلى اللغط الدائر حول كتابات وآراء مولانا شيخ النيّل ولا بد لى أن أوضّح أنى لم أتشرف بلقاءه سوى مرة واحدة عابرة منذ ست سنوات ولكنى وُفّقت إلى قراءة كل ما وقع فى يدى من كتبه (ما عدا الكتاب الأخير عن نبى الله موسي عليه السلام) ولم أجد فى محتواها ما يعتبر تعدٌياً على أى شخصية تاريخية أو حتى معاصرة لذلك عجبت للطريقة التى تناول بها الكتّاب هذا الموضوع والتى غلب عليها التجريح والإسقاط بينما خلت من أى نقاش موضوعى ولعل القارئ يستطيع إدراك ذلك من عناوين ما يكتبون فهذا هو د.محمد وقيع الله والذى يكتب أيضاً فى صحيفة الإنتباهة والذى انحدر بالموضوع إلى السخرية من مظهر الشيخ حينما كان طالباً بجامعة الخرطوم فى منتصف السبعينيات والذى باعترافه لم يخالف به السنّة ثم السخرية من طريقة صلاته حتى حكم عليه بالبدعة والضلال ، هكذا رغم أنه لم يحدّثه ولم يناقشه ولم يذكرأنّه لقيه بعد ذلك بل كان شاهداً على حوار بين مولانا شيخ النيّل وشخص آخر سماه أستاذه (أستاذ د.وقيع الله) ولذلك اختارلمقاله عنواناً إستفزازيّاً فلم يجد فى مفردات اللغة كلها إلا أن يكتب (المسلك المأفون للنيّل أبوقرون) ويبدو أن كتّاب الإنتباهة مغرمون بالسجع والمأفون لمن لا يعرفها تعنى الضعيف الرأى والعقل والمتمدّح بما ليس عنده (لسان العرب) ولا أدرى أى عقلية جبّارة سمحت لمحمد وقيع الله الطالب وقتها بمعرفة كل ذلك من خلال الموقف الذى حكاه والذى لم يكن طرفاً فيه. وأخطر ما ورد فى مقاله هو احتفاءه بقصة الرجل الذى كاد أن يفتك به أهل إحدى القرى بالشام لأنه صلى سادلاً ظنّاً منهم أنه شيعى قبل أن يوضٌح لهم أنه مالكى وهو يلوم الرجل ولا يلوم قليلى العقل الجهلة المبتدعة فى الجانب الآخر، ثم هل هذا التاريخ الأسود مما يُفتخر به؟ أوليس هذا هو نفسه القتل على الهوية الذى نعايشه فى هذا الزمن الأشد حلكةً وسوداً؟ ولعل د. وقيع الله يعلم أكثر من غيره أن المسلمين يؤدون شعائرهم بطرق مختلفة ولهذا كانت المذاهب فالمسلمون لم يتفقوا على وضوء ولا أذان ولا إقامة ولا صلاة فلماذا تُخص صلاةٌ دون غيرها بالسخرية؟ ثم هل صارحملة الدكتوراة وأساتذة الجامعات يكتبون هكذا فى بلادى أم كانت تلك ولادة مُبتسرة للّحاق بموسم الهجوم على شخصٍ واضحٌ أنه أُتخذ هدفاً لحملة سيئة الإعداد والإخراج. مازلت أذكركلمات محاضرنا (والذى كان يحمل درجة الدكتوراة) ونحن طلبة بجامعة الإسكندرية والذي جاءنا زائراً من السودان ضمن فعاليات الموسم الثقافى فقد قال (وهذه هى كلماته): أعتقد انو أبلد ناس هم حملة الدكتوراة. ولا أتفق مع ذلك إلا إذا ركل حملة الدكتوراة ما تعلّموا جانباً واختاروا أن يتّبعوا زفة المهرّجين. بقى أن تعلموا أن ذلكم الزائر لم يكن سوى د. محمد وقيع الله.

أعود إلى البيان الذى صدر مما سمٌى بشؤون التأصيل والتخطيط الإستراتيجى برئاسة الجمهورية ولا علم لى بأى علاقة تربط بين التخطيط الإستراتيجى لدولةٍ بحجم ومشاكل السودان وبين كتاب صدر هنا أو هناك أو شخص تبني رأياً مهما كان. وأعتقد أن تحرّك رئاسة الجمهورية وقتها جاء لإرضاء تيار داخل وخارج النظام وربما خارج البلاد أيضاً.
إن ذاك البيان وهذا الهجوم الظالم على مولانا شيخ النيّل يأتى بسبب آراءه المنشورة بكتبه فى بعض القضايا خصوصاً تفسير بعض الآيات وهذه الآراء لا يجمعها سوي دفاعه عن الجناب المحمّدى الشريف. ولعل أشهر هذه الآراء هو رأيه فى تفسير سورة عبس وتوجيهه سهام النقد لما ذهب إليه المفسرون من تأويلٍ أساء إلى سيدنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله ولا أعتقد أن منتقديه قد حالفهم أى توفيق فيما ذهبوا إليه وكثيرٌ منهم لم يقرأوا سطراً مما كتب ولا استمعوا اليه وهذا يمكن قراءته من محتوى تصريحاتهم ولو أنهم تأمّلوا ما يدافعون عنه لأدركوا خطورة المنزلق الذى يساقون إليه.
ويعجبنى المثال الذى ساقه أحد العلماء فى وجه المصرّين على إلصاق صفة العبوس بسيدنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله (حاشاه) إذا يقول: لو أن أحدكم كان شاهداً على دخول رجل أعمى على مجلس فيه مجموعة أشخاص ، أحد الحضور عبس فى وجه الأعمى وغضب ثم قام وانصرف ورجل آخر قام هاشاً مبتسماً فى وجهه فسلٌم على الرجل الأعمى وأجلسه ، ليس هذا فحسب بل مسح على وجهه فأعاده بصيراً. ثم جوبه بهذا السؤال المهم: أنت يا من كنت شاهداً على ما حدث من تحترم من الرجلين؟ مَنْ مِن الرجلين تصدّق إذا حدثك وتتّبع إذا دعاك؟. من المؤكّد أن العاقل ستكون إجابته الرجل الثانى. حسناً الرجل الثانى هو الصورة التى يقدمها القرآن عن السيد المسيح عليه السلام أما الرجل الأول فهو ما قدّمه المسلمون من صورةٍ مكذوبةٍ لسيدنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله (حاشاه) بسبب إصرارهم على التفسير المغلوط والغبي لسورة عبس. التفسير الذى يلصق هذه الصفة القبيحة والتى ذمّ الله بها حتى الكافر يلصقها بخير خلق الله ، صاحب الخلق العظيم وسيّد الأنبياء والمرسلين صلّى الله وبارك عليه وآله. قال الله تعالى فى ذمّ الوليد بن المغيرة (كما ورد فى التفاسير): (ثم عبس وبسر) <المدثر22> ثم لو أن العبوس الوارد فى سورة عبس قد كان فى وجه عبدالله بن أم مكتوم فكيف يعبس الإنسان العاقل فى وجه شخص أعمى وهو لا يراه وما الهدف الذى يسعى لتحقيقه من هذا العبوس. ومولانا شيخ النيّل لم يقل غير ذلك فقد رفض أن تُلصق هذه المذمة بسيد الخلق صلّى الله وبارك عليه وآله ورفض أن تبلغ الجرأة بالمفسرين أن يفترضوا أنهم يعرفون ما فى نفس رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله حيث يقولون (يقول فى نفسه .....) ولعمرى هذه جرأة غير مسبوقة ، ولا أفهم كيف يُتّهم مولانا شيخ النيّل بالطعن فى آيات القرآن بل ما طعن فيه هو فهم البعض وتفسيرهم لآيات القرآن فهل يجب عليه وعلينا قبول كل ما يقول المفسرون دون تفكير ودون نقاش؟ إذاً انظروا لما ورد بكتاب صفوة التفاسيرلمحمد على الصابونى <الطبعة الخامسة دارالقلم ، مكتبة جدة ج3 ص519> فى تفسير (أما من إستغنى فأنت له تصدّى وما عليك ألا يزّكّى) كتب: (أما من استغنى عن الله وعن الإيمان بما له من الثروة والمال فأنت تتعرض له وتصغى لكلامه وتهتم بتبليغه دعوتك ، إلى أن كتب ، يقول الألوسى: وفيه مزيد تنفير له صلى الله عليه وسلم عن مصاحبتهم فإن الإقبال على المدبر مخل بالمروءة –إنتهى-) وليخبرنا الألوسى أو الصابونى الذى نقل عنه أى دين بقى لنا إن كانت هذه صفة نبينا (حاشاه) وأى إلاه هذا الذى يبعث ناقص المروءة رسولاً تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيرا وكيف يوصف الألوسي بالعلاّمة بل هو جاهل معتوه حين يقول ذلك إذ فاته أن كلمة كلاّ التى وردت فى بداية الآية 11 تنفى كل هذه الصفات عن الجناب الشريف. والذى يقرأ تفسير سورة عبس يجده ممتلئ من أوله إلى آخره بالإساءات لرسول الله صلى الله وبارك عليه وآله ولا أجد تفسيراً لما يقوم به من يُسمون بالعلماء (بل الجهلاء) بالحملة تلو الأخرى ضد كل من يرفض هذا التفسير المجنون الملئ بالتناقضات والخالى من المنطق ورفع راية التهديد فى وجهه سوى خوفهم من قبول الناس لتفسير الشيعة الذي يقول أنها نزلت فى عثمان بن عفان وأنه هو الذى عبس فى وجه رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله لأنه إهتم بابن أم مكتوم حينما جاءه يسعى. إذن فهو مجرد تعصب مذهبى إختار فيه البعض حماية سمعة عثمان وضحّوا بسمعة سيد الأنبياء والمرسلين صلى الله وبارك عليه وآله فيا لها من مصيبة ويا لها من قسمة ضيزى وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وقد ذكر بيان شؤون التأصيل نقطة سمّاها الوقيعة فى أصحاب النبى - صلى الله وبارك عليه وآله - وبغض النظر عن معنى ذلك فقد ذكرالبيان أربعة أسماء هى أبابكر وعمر وطلحة وعائشة ولا يخفى على مطّلع أنها أسماء لشخصيات محل خلاف بين السنة والشيعة ولكنها ليست الوحيدة فلماذا اختصت هذه الشخصيات فقط دون غيرها وإحداها وهو طلحة لم يتفق عليه حتي أهل السنة؟. وأعتقد أن السبب قد يكون كالآتى: كما لا يخفى على مطلّع أن أبابكر وعمرهما المخططان والمنفذان لبيعة السقيفة ، بيعة الغصب الكارثية التى ما زلنا ندفع ثمنها إلى يومنا هذا وأن عائشة وطلحة هما المخططان الرئيسيان لحرب الجمل أول حرب أهلية فى الإسلام والتى لم تتوقف بعدها الحروب الأهلية بين المسلمين وما يجمع الحدثين أنهما كانا موقفين ضد الإمام على عليه السلام لإقصاءه من موقع خلافته. إذن فقد اختارت رئاسة جمهورية السودان المنكوب وهيئة علماءها الميامين إقحام نفسها فى مأزق تبنّى موقفٍ طائفى متعصّب دون تفويض من شعبها الذى لم يعرف فى تاريخه مثل هذا النوع من العصبية الطائفية، ليس هذا فحسب بل حامية ومدافعة عن شخص مثل طلحة.
ولا أفهم ما هى مصلحة علماء السودان فى الدفاع عن شخص مثل طلحة بن عبيدالله وحمل الناس على تبجيله بالسوط والسيف وهو الذى أدانته آيات قرآنية تتلى إلى قيام الساعة بسبب أنه كان يؤذى سيدنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله وذلك باتفاق المفسرين. قال تعالى (وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبداً إن ذلكم كان عند الله عظيماً) < الأحزاب 54> قال البغوى (نزلت فى رجل من أصحاب النبي صلٌى الله وبارك عليه وآله قال: لئن قُبض رسول الله لأنكحنّ عائشة. قال مقاتل بن سليمان: هو طلحة بن عبيدالله < تفسير البغوى ج6 ص371 وتفسير اللباب لابن عادل ج13 ص105>. وروى ابن سعد عن أبى بكرة بن عمرو: (نزلت فى طلحة بن عبيدالله لأنه قال: إذا توفى رسول الله تزوجت عائشة) < الطبقات الكبرى لإبن سعد ج8 ص201> وقد روى ذلك أيضاً ابن كثير عن ابن عباس < تفسير ابن كثير ج3 ص513> وروى الرّازى أن طلحة قال: (لئن عشت بعد محمد لأنكحنّ عائشة) < تفسير الرازى ج12 ص372>.
وورد فى تفسير الطبرى ج22 ص50 أن الآية المذكورة نزلت فى طلحة بن عبيدالله بسبب قوله: ينهانا محمد (يعنى آية الحجاب) أن ندخل على بنات أعمامنا؟( ويعنى عائشة فكلاهما من بنى تيم بن مرة) فلئن مات وأنا حي لأتزوجن عائشة. وغيرها من الروايات التى لا تبيّن فقط إستنكار طلحة للأمر الإلهى بحجب نساء النبي صلى الله وبارك عليه وآله بل وتطاوله على سيدنا رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله وإساءة الأدب معه بأبى هو وأمى والله عز وجل قد حرّم مجرد رفع الصوت عليه بل حتى الشعور بالحرج داخل النفس من أمر قضاه صلى الله وبارك عليه وآله ونفى الإيمان عن من يفعل ذلك ، قال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليما) <النساء 65> . ولا بد أن أشير إلى أنّ عبارة رسول الله الواردة فى كلام طلحة هى غالباً من كلام الرواة لأنه ورد فى أغلب الروايات التى قرأتها أنه كان يقول لإن مات محمد أو لإن هلك محمد ، والله تعالى ينهى عن ذكر إسمه مجرداً ناهيك عن إلقاء هذه التعبيرالذى ينضح بالوقاحة وسوء الأدب على مقام النبي المعظٌم ، يقول تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) < النور63> ، فلماذا يراد لنا قبول كل ذلك من طلحة مع غيره من تاريخ حافل بالتجاوزات والأخطاء مثل خطئه الجسيم بخروجه على خليفة شرعى منتخب ومبايع هو على بن أبى طالب عليه السلام ومشاركته بل وقيادته الحرب ضده وتسببه مع من قاد الحرب فى مقتل ثلاثين ألفاً (فى أرجح الروايات) وذلك فى موقعة الجمل ومن لا تعجبه العبارة الأخيرة فليسأل كل الحكومات فى عالمنا الإسلامى تلك التى تظلٌه أو التى من حولها ، منتخبة كانت أو غير منتخبة عن رأيها فيمن يخرج عليها ويرفع السلاح فى فى وجهها وكيف ستتعامل معه مع الفارق العظيم فى تعامل الإمام على عليه السلام مع معارضيه أومع من قاتله أو من بغى عليه والتاريخ شاهد على ذلك.
ومن كان يبحث عن شاتمى طلحة فدونه كتب التاريخ فلأنه كان كثير التحرش بالآخرين كانوا يعيّرونه بأمه فينادونه بابن الصعبة أو ابن الحضرمية وهى فارسية كانت بنتاً لدزهمرالذي استوطن حضرموت بأمر من كسري ثم انتقلت إلى مكة حيث صارت عاهرة من ذوات الرايات الحمرعند تاجر الدعارة عبدالله بن جدعان من بنى تيم وقد أَختلف فى بنوته لعبيدالله فقد إدعاه أبوسفيان بن حرب وألحقته أمه بعبيدالله. وعبيدالله نفسه عبد إدّعاه عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم < مثالب العرب لهشام بن الكلبى> فهكذا استَلحق طلحة ببنى تيم وهكذا اعتبر نفسه إبن عم عائشة وهكذا أعطى نفسه الحق فى الإحتجاج على أحكام الله وفى التطاول على نبيه الأعظم صلى الله وبارك عليه وآله وإيذاءه مع علمه أن الناس يدركون أصله الوضيع فهذا عثمان بن عفان يقول قبل مقتله: (ويلى على ابن الحضرمية ! أعطيته كذا وكذا بهاراً ذهباً – البهار حوالى ثلاثمائة رطل- وهو يروم دمى يحرّض على نفسى) < شرح النهج لأبى الحديد ج9 ص35> واحتدٌ معه حين دخل عليه قائلاً: (يا ابن الحضرميّة ألّبْت علىّ الناس ودعوتهم إلى قتلي حتى إذا فاتك ما تريد جئت معتذراً) < أنساب الأشراف للبلاذرى ج2ص288 وتاريخ المدينة لابن شيبة ج4 ص1198> وطلحة هو الذى رفض أن يُدخل الماء إلى عثمان أثناء الحصار على داره قبيل مقتله فى مخالفة لأبسط قواعد الأخلاق. قال بن سيرين: (لم يكن من أصحاب النبي صلّى الله وبارك عليه وآله أشدّ على عثمان من طلحة) < أنساب الأشراف للبلاذرى ج5ص77> وقد كان متعجّلاً لإزاحة عثمان بأي ثمن لأنه كان يتوقّع أن يبايعه الناس خليفةً ولما بويع على عليه السلام أعلن عليه ضمن حلفه الحرب. وقد تلاسن يوماً مع عمر بن الخطاب فقال له عمر: (أما إنّى أعرفك منذ أصيبت أصبعك يوم أحد وائياً – ضجراً - بالذى حدث لك! ولقد مات رسول الله - صلّى الله وبارك عليه وآله - ساخطاً عليك بالكلمة التى قلتها يوم أنزلت آية الحجاب) < شرح النهج لأبى الحديد ج1 ص185> فهذا هو أصل وشخصية ومقام طلحة بن عبيدالله بشهادة النصوص المقدسة وشهادة معاصريه.
وعودة إلى الفكر السلفى الذى يسعى إلى رهن العقل والإبداع الإنسانيّين للتاريخ وإلى الإنفصال عن الواقع والإنجرار إلى الخلف بدل التقدم إلى الأمام ، كما يدعو إلى إلغاء العقل واعتماد النقل وسيلة وحيدة للتعامل مع التراث والتاريخ الإسلامى وقد فاتهم أن العقل قد سبق النقل فى الوجود وأن له الهيمنة عليه لأن النقل هو نتاج تفاعل العقل مع الواقع (كتاب تحرير العقل من النقل – للإسلامبولى).
قبل عدة أشهر تم عن طريق الإنترنت تداول مقطع فيديو من خطبة الجمعة لإمام سلفى مصرى وهويرعد ويزبد متوعداً العلمانيّين وبغض النظر عن تعريفه المضحك للعلمانيّة إلا أن ما لفت نظرى هو توعده لمن يريد أن يفهم و يفسر النصوص باستخدام عقله ولا يلتزم (وهذه هى كلماته) بما قال بن كثير وبن تيمية ، ولعله نسي أو تناسى أن المذكورَيْن حتى وإن اعتمدا نقلاً كثيراً فى كسبهما إلا أنهما استخدما عقليهما فى التعامل مع المادة المنقولة وتحليلها وتكوين آراءٍ خاصةٍ بهما فما الذى يعطيهما هذا الحق ويحرم الآخرين؟
ولكنها هى مصيبتنا الكبرى فرض الوصاية على الآخرين وتقمّص دور حرّاس الدين والمجتمع والذى يقوم به البعض دون تكليف من شرع أو من حاكم والذى يحسن السلفيون القيام به تحت سمع وبصرالأنظمة الحاكمة والمجتمع وتحت ستار من صمت الجميع وعدم اكتراثهم ولعل الكل يذكر أزمة تكفير الحزب الشيوعى والذى كان وما زال حزباً قانونياً يعمل بتصريح من الدولة ، أما الآن فيبدو أن الدور قد جاء على الشيعة فهذا هو الكاتب سعد أحمد سعد يكتب فى صحيفة الإنتباهة بتاريخ 12-7-2011 وفى عموده أصل المسألة وبعد أن تقيأ قلمه ما شاء له من التجريح والبذاءة فى حق الشيخين الجليلين صالح والنيّل أبو قرون وبعد أن إتّهم الشيعة فى سياق لا علاقة له بالموضوع بالزيغ والزندقة والكفر والضلال ختم عموده متوعداً ومهدداً إياهم قائلاً: (والرافضة لا يقفون عند حد فى كفرياتهم .. وقد فتحنا ملفهم ولن نغلقه بإذن الله حتى نغلق حسينياتهم و حتى نغلق حسينياتهم وحتى ننقذ أبناءنا وبناتنا وأخواتنا وأمهاتنا ونساءنا من مكرهم وزيغهم وانحرافهم والله المستعان وعليه التكلان) – وبالفعل كانت كلمة نغلق حسينياتهم مكررة لسبب ما - انتهى - والمنطق يجعلنا نسأل هذه الأسئلة: بلسان من يتحدث المدعو سعد وهو يتحدث بلسان الجمع؟ من فوّضه بسلطة وأيده بقانون حتى يقوم تحت سمع وبصر الدولة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية بتهديد مجموعة أخرى من مواطنين يتساوون معه فى كامل حقوق المواطنة لا لذنب ارتكبوه سوي أنهم ينتمون إلى طائفة أخرى؟ إذا كان هذا هو النهج الذى يسعى لانتهاجه فى التعامل مع طائفة من طوائف المسلمين فماذا عن بقية الطوائف الأخرى والتى حتماً سيأتى عليها الدور بل ماذا عن أتباع الديانات الأخرى؟
والمطّلع على الأحداث فى السودان يلاحظ أنّ الإنتباهة فتحت صفحاتها للتحريض ضد الأقلّيات العرقية والدينية يدفع بعض كتّابها التعصب والجهل مثل ما شهد به د. عبدالرحيم عمر محى الدين فى رسالةٍ له للصحيفة فقد شهد وهو الأستاذ الجامعى الذى يدرّس مادةً تعالج موضوع الطوائف والملل والنِحَل على جهل المدعو سعد وأنه ينشر فكرالخوارج والجماعات التكفيرية وهذا هو مكمن الخطورة.
لقد بلغ من إغراق الإنتباهة فى التحريض على مولانا شيخ النيّل أنها ظلّت تسأل أغلب من تجرى معهم حواراتها عن رأيهم فى أفكار شيخ النيّل وغالباً هو سؤال لا علاقة له بالضيف أو الموضوع لذلك اعترف بعضهم بأنهم لم يسمعوا بها من الأساس واكتفوا بذلك وهذه أمانة تُحمد لهم ، ولكن انظروا إلى إجابة الشيخ عبدالجليل النذير الكارورى الذى قال: (أنا لم أقرأ أفكار النيّل أبوقرون ولكني سمعت بها وجميعها ضلالات، فهذا الشيخ أصابته فتنة، فهو مفتون) ، ولا أدرى كيف يتجرّأ شخصٌ إدّعى أنه شيخ أن يبنى هذا الإستنتاج على جهل إعترف به وكيف يلقى الكلام هكذا على عواهنه ، فمَثلُه مثل شخص يريد أن يشيّد بيتاً على الهواء من غير قواعد ولا دعائم. وليته اكتفى بذلك ولكن فى تعليقه على كتاب شيخ النيّل الأخير عن نبي الله موسي عليه السلام وفرعون قال:
(وأنا أتّهم الذين يروِّجون إلى ذلك ويروجون إلى إسرائيل كأنها كما وصلت إلى الفرات تريد أن تصل إلى النيل، ويريدون أن يجعلوا هذا المكان الذي فيه مسجدنا هو مكان لقاء موسى بالخضر، وبالتالي إسرائيل تبحث عن هذه الأماكن، وهذا ليس ضلالاً فكريًا بل عمالة لمن يمارسها بفرشة ثقافية لغزوة يهودية يمكن أن تحصل كما حدثت من اليهود وإسرائيل في حرب العراق) – انتهى – وبغض النظر عن مستوى اللغة والصياغة لما هو منقولٌ حرفيّاً عن الإنتباهة فهذه صورة أخرى من صورالعمل الصحفى المتدنّى الذى يهدف إلى قتل الشخصية والتحريض والذى يتميز بجرأة غير مسبوقة فى إلقاء الإتهامات جزافاً وبهذه الطريقة الساذجة والتى لا تحترم عقول الآخرين ولايصدقها عاقل ، ففى أى عصر نعيش حتى تحتاج دولة مثل إسرائيل إلى دليل سياحى كى تقوم بغزو السودان وهى التى إستطاع سلاحها الجوى أن يصطاد ما شاء من أفراد وسيارات من شوارع السودان دون اعتراض أو مقاومة فى فضيحة أمنية وعسكرية ما زلنا نجدها غُصّة فى حلوقنا؟ ولماذا تقوم إسرائيل بغزو السودان؟ ثم هل هذه الدولة هى الخطر على السودان اليوم أم أن أهله هم فى الواقع الكفيلين دون مساعدة من أحد بتهديد أمنه ووجوده كما يرى كل صاحب عينين؟ وكيف تريد الإنتباهة تسويق هذه الفكرة وهى التى ما فتئت تذكرنا بشكل يومى بالتدخل والإختراق الإسرائيلى للسودان والذى أرّخت له الصحيفة بما قبل اندلاع شرارة التمرد الأول. إذن لمصلحة من تفعل الإنتباهة ذلك؟ الإنتباهة التى جعلت من نفسها منبراً للتكفير والتحريض ولساناً كذوباً وقلماً يتحرّى التضليل والبهتان.
ختاماً أقول ماذاعلى الإنتباهة أو غيرها بل كل فرد لو أقلع عن محاكمة الآخرين وإصدارفتاوى التكفير؟. ومن أجل صورة مغايرة للعمل الصحفى لماذا لا تسأل الصحيفة صاحب الشأن عن ما قال أو ما كتب وهو كفيل بالرد بدلاً عن سؤال كل من تلتقى به عن رأيه فى زيد أو عبيد؟ ولينتبه الجميع لخطورة التكفير الذى ينتشر حالما يبدأ فى تفاعل سلسلى لا يمكن التحكم فيه. فى محاكمة الشخص الذى قتل العالم المصري د. فرج فودة (رحمه الله) سأل القاضى المتّهم وهو شاب محدود التعليم كان يعمل سمّاكاً إن كان قد قرأ أىّ كتاب من كتب د. فرج فودة فأجاب بأنه لم يقرأ له سطراً واحداً ولكن يكفى أن العلماء كفّروه لذلك قتله !! فهل هناك أخطر من هذه اللعبة؟ لا أعتقد وحسبنا الله ونعم الوكيل ولاحول قوّة إلا بالله.