الدين في حقيقته ليس له علاقة بالسياسة أصحاب الديانات الأخرى الذين يؤمنون بأنبيائهم مسلمون

حاوره: مؤيد شريف


شخصية بطبعها مثيرة للجدل؛ البعض يعتبره شيخاً صوفيا ملتزما ولا يميزه عن سائر شيوخ الصوفية، وآخرون يرون فيه عالماً ومفكراً خرج عن مألوف أهل التصوف الي التفكير فيما يجمع العالم ويثبت الأمن والسلامة للناس كافة . دبج الكتب والمؤلفات وبعث نفساً تجديدياً قلّ أن يتوفر عند نظرائه من أهل التصوف، وقد يكون مبعث هذا (التضارب) أنه وُلد وتربى بين يدي جده الشيخ محمد ابو قرون وأبيه المعروف بالخليفة الجيلي فساح في عوالم من محبة الرسول (ص)، وفي ذات الوقت تداخل وخالط كافة طبقات المجتمعات السودانية على تنوعها الكثيف، وتدرج في مراحل التعليم حتى تخرجه من كلية القانون بجامعة الخرطوم في العام 1970م ليلتحق بالهيئة القضائية، وتدرج في وظائفها حتى عُين ملحقاً قضائياً برئاسة الجمهورية ثم وزيراً للشؤون القانونية في العهد المايوي، وهو العهد الذي خرجت علي أيديه فيه قوانين سبتمبر وما خالجها ويخالجها من لغط وسيكون لنا معه وقفات عديدة وصريحة عن تلك الفترة وقضية اعدام المفكر محمود محمد طه وموقفه من قوانين سبتمبر وحدود دوره فيها .
وله العديد من المؤلفات : الصراط المستقيم / الوصية / الخواطر / أحاديث في العقيدة / التراث الشعبي / في رحاب الرسالة / مراجعات في الفكر الاسلامي ، وفي الطريق : كلية الانسان / قراءات .
ويقول عنه البعض أن منهجه يقوم علي مرجعية القران وعصمة وتنزيه الذات النبوية الشريفة ومرجعيتها وعدم قبول ما يمسها من أي كان أو مصدر كان وهو منهج ، كما يقولون ، واضح في تنزيه الذات المحمدية وهو أصل معاركه الفكرية ، كما يؤكدون، والتي يقولون أنه تحملها بصبر وعزم للصالحين وهي ، في نظرهم ، القاعدة الذهبية التي يجب استصحابها عند اي قراءة لفكره . كما وله ديوان من المديح النبوي بعنوان (بوارق الحب)..وندلف من بعد لمحاور اللقاء ونأمل أن نوفق في ذلك.

كيف ترى حال العالم اليوم ؟ أهل الاستراتيجيا يسمونه – عالم متغير – كل شيء فيه حفّ ووصل الي نهاياته اللامنطقية، حتى النزاعات والصراعات لم تعد تشبه في سماتها ومخرجاتها وآثارها ما خبرناه مسبقا من صراعات ونزاعات : أصبحت أكثر تعقيداً وعصية على الحلحلة وأكثر دموية وتدميرا، دعنا نقلب في الاسباب ونستشرف المآلات ؟

لَم يَبعثْ الله الرسل برسالات إلا لخَلق مجتمعات فاضلة، وفي ذلك نقول كما قال الله تعالى: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ
. وقد تضمن القران التصديق علي الرسالات السابقة والرسل، وما جاء النبي محمد صلى الله وبارك عليه وآله برسالته لإلغاء ما سبق من ديانات، بل أكّد علي صحتها. والله سبحانه وتعالى لم يأتِ بالدين عبر الرسل مناطحاً بعضهم ببعض، ولم تأت الأديان لتناطح بعضها بعضا، وما كانت الرسالات إلا رحمة للعباد، فالمناطحات بين الأديان يكون منها الفساد في الأرض وسفك الدماء، والرسول صلى الله وبارك عليه وآله يقول: (لَخراب الدنيا أهون على الله من إراقة دم)، ويقول صلى الله وبارك عليه وآله: (لا يزال المسلم في فسحة من أمره ما لم يصب دماً). ولو توفرت هذه النظرة إلى الدين وكان هناك التزام بها فهي ما جاءت به الأديان كلها عن طريق الرسل عليهم السلام، عيسى وموسى والخاتم محمد صلى الله وبارك عليه وآله. فالدين عند الله هو الإسلام، والإسلام (في الأديان كلها) عَرَّفه الحبيب صلى الله وبارك عليه وآله في سلوكه، وفيما جاء به من الذكر الحكيم، إذ جاء بالحرية التامة، والحرية بدأت منذ بداية الدعوة، فبدأها بالتبليغ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُُ ولو كانت الدعوة علي غير أسلوب الحرية، لَوَقَف الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في الصحن الحرام وقال لهم: (أنا رسول الله وبعثني الله وهذا جبريل معي والويل لمن لا يستَجيب ). قلنا أن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله هو المُبَيِّن لكل الأديان، وكان أسلوبه في الدعوة خالٍ من القهر أو الإكراه علي أي شاكلة من الصور، وليس فيه إجبار أو إكراه علي الدين وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر.. وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُُ.. أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ. هكذا بدأت الدعوة وهكذا كان سلوك النبي صلى الله وبارك عليه وآله. ثم نأتي من بعد إلى الرؤية التي حَجَّمَت سعة الحرية الإسلامية، وإذا نظرنا إلى السلوك المحمدي خلال ثلاثة وعشرين سنة، نجد أنه لم يُكرِه أحداً قط على قول لا إله إلا الله أو كونه هو رسول الله، ولكن هناك ما هو موجود في المصادر الإسلامية ما يضاد ما ذكرناه، فيما يسمونه بغزوة بدر وأُحُد والأحزاب التي يدعون أنها غزوات لوجود النبي صلى الله وبارك عليه وآله فيها. وهي في حقيقتها ليست بغزوات البَتَّة ولا تُسعِفُهم لُغةٌ ولا مِنطِقٌ ولا عُرف، اللهم إلا إن كان القصد أن يجعلوا النبي غازياً من أجل الدين، وهو أمر لا يسنده القرآن ولا سلوك النبي صلى الله وبارك عليه وآله. فقد دارت بدر في المدينة وكانت دفاعاً عنها، إذن هي ليست بغزوة، والغزو يكون فيه الغازي معتدياً، وما كان القصد منها أن يُحمل الناس علي قول لا إله إلا الله. ففيها أراد المشركون أن يفرضوا قوَّتهم على المسلمين فكانت المعركة وليست الغزوة. وفي أُحُد أيضاً كان المشركون هم الغزاة ودارت المعركة في المدينة فما هي بغزوة، والأحزاب (أو الخندق) كذلك، كانت دفاعاً عن المدينة، إذ هاجمها المشركون. أما في فتح مكة فيمكن تسميتها بالغزوة حيث تحرك الرسول صلى الله وبارك عليه وآله بجيشه نحوها، فماذا قال لهم: (ماذا تظنوني فاعل بكم؟) قالوا: (أخٌ كريم وابنُ أخٍ كريم) فماذا كان الجواب المحمدي: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ولو كان ما ورثناه من المصادر المنقولة والموجودة صحيحاً لأمَرَهم صلى الله وبارك عليه وآله بأن يقولوا لا إله إلا الله، و لكنه لم يفعل. وأكبر سؤال كان يجب على كل مسلم أن يسأله هو: "لم لم يقل النبي صلى الله وبارك عليه لأهل مكة بعد فتحها قولوا لا إله إلا الله بدلاً عن قوله (اذهبوا فأنتم الطلقاء)؟"، فأهلُ مكة كانوا ينتظرون منه أن يوجِّههم لفعل أي شيء فيفعلوه، فهو الفاتح المنتصر. وهناك حديث خطير جداً موجود في الصحاح: (أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) هذا الحديث لا يوجد في كتاب الله ما يؤيده، بل الموجود هو: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةَِ. في القرآن كله لا يوجد أمرٌ للنبي صلى الله وبارك عليه وآله بالقتال لتبليغ الرسالة ولا يوجد سوى الدعوة بالحسنى، والسلوك المحمدي ليس فيه قتال للناس على الإسلام، قال تعالى: فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ، فانتفى التَّسلُّط على الناس وعلى أهل الديانات الأخرى، وكيف يكون هناك تسلطٌ وقد جاءت الرسالة المحمدية مصدقةً لما كان قبلها، قال تعالى: مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ والهيمنة الواردة هنا هي ليست الإلغاء أو الشطب، إنما هي لتبيين ما سبق، قال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ، لأن أصحاب الديانات السابقة مسلمون، إذا آمنوا برسلهم، وإذا لم يؤمنوا بهم فهم كفار، والقرآن واضح في تبيان هذا الأمر، قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا، ولم يقل الله سبحانه بأن يهجر أهل الانجيل انجيلهم، بل قال: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ. والله سبحانه وتعالى أورد علي لسان الحواريين أن وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، وسيدنا موسى قال ..يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِين وسيدنا نوح قال: وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِين وسيدنا إبراهيم كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، ورب العزة يقول لعيسى عليه السلام: وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وليس إلى بعثة محمد صلى الله وبارك عليه وآله؛ إذن، كل من تَبِع رسوله من الأمم السابقة هو مسلمٌ، ومن لم يؤمن برسوله في الأمم السابقة هو كافر. هكذا يجب تصنيف الكفار والمسلمين، ولا ينبغي أن يوصف مِن آمن برسوله من الكتابيين بأنه كافر. وحينما نتكلم عن الإسلام ينبغي عدم حصره فقط في الرسالة الخاتمة، إلا بمعنى أنها شملت جميع الرسالات السابقة – دون إلغائها، ومفهوم الهيمنة الواردة في قوله تعالى: وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ لا تعني الإلغاء للديانات السابقة، بل شمولية الرسالة الخاتمة لها. فيجب الإيمان بها وبصحتها حيث تضمنتها الرسالة الخاتمة وأقرَّتها وصدَّقت بها، ومَن لم يؤمن بها وبصحّتها ويُصَدِّق بكتبها فهو كافر بما جاء به محمد صلى الله وبارك عليه وآله.
أساس الصراعات ينشأ أولاً من الغلو في الاعتداد بالذات، حيث تكون الرؤية للآخر من علٍ، ولذلك حتى القبول من الآخر أو استيعاب ما عنده يكون ضعيفاً، وهذا قد يدفع الآخر أو صاحب الرأي المستعلى عليه لسلوك طرق غير تحاورية إذا ووجه بالرفض لما عنده أو إذا أحس بهذا التعالي.
وثانياً، الفهم الخاطئ للنص المقدس وما يُبنى عليه من مسلمات، وقد تبنى أيضاً مسلمات على نصوص تسمى صحيحة
(من حيث النقل، اعتماداً على شروط الجرح والتعديل) وهي تُصادِم القرآن والسلوك النبوي الشريف. فإلزام الناس بِفَهمِ الآخَرِ للنص أمرٌ لا يستقيم، فالقداسة للنص وليس لِفهمٍ مُعَيَّن للنص. وهذا ما يريد أن يفرضه الذين يُسَمُّون أنفسهم بالسلفيين على كل العقول المسلمة بالإكراه.
أما الصراعات والنزاعات فهي قديمة قدم الإنسان، واختلافها الآني من اختلاف وتباين الحياة نفسها، أما هي من حيث هي فلم تتغير، وأصبحت أكثر عنفاً بسبب التطور في أساليب القتال وآلياته المستخدمة، فأداة القتال قبلاً كانت السيوف أما الآن فتطورت أسباب التدمير وأصبحت أكثر فتكاً وتقتيلا...

ليس في الأديان ما يفرق . هذا تقرير يقول به الكثيرون ، إلا أن الملاحظ أن الكثيرين أيضا من أهل التطيف والتمذهب والتسيس أصبحوا يستخدمونها في بث الكراهية وشق الصفوف وغرس الفتن بحثاً عن المكسب الخاص الضيق والسياسي القاصر والمتحصلات الذاتية المحدودة، كيف ترى هذا الخطر الماثل؟ هل هو جدي وله ما بعده وقادر على التأثير ؟ أم مرحلي وقتي وإلي إنحسار وزوال ؟

الأديان أنزلها الله رحمة للعالمين، والله سبحانه وتعالى يقول: إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ، فلا يعقل أن تكون الأديان التي أنزلها الله مداراً للتطاحن والاحتراب، ففي ذلك تضادٌ للرحمة الموصوفة (رحمتي سبقت غضبي)، فجاء الدين (وهو الأصح في التسمية من دون الجمع) وهو عند الله الإسلام وجاء كل الأنبياء من عند الله بالدين الذي هو الإسلام، ويحتم علينا شرعنا أن نؤمن بقوله تعالى: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ، ولا يتم إيماننا نحن المحمديون إلا بالتصديق الكامل بالرسالات السابقة، والإيمان بمن جاءوا بها، ولم تأت الرسالة المحمدية لاغيةً لما قبلها من أديان، كما يطن كثير من المسلمين، وأحسبه لغرض سياسي قديم، وتعالى الله أن يُنزل رسالة معيبة، ليتداركها في التي تليها، كما ويستحيل أن يكون في فعله جَلَّ وعلا خطأ، فوجب الإيمان بالرسالات السابقة وصحتها وصحة كتبها والايمان بالرسل الذين جاءوا بها، وهذا ما جاءت به رسالة خاتم الأنبياء، فأعطت كل ذي حق حقه، ولم تنتقص شيئاً مما أنزل الله من أديان سابقة، ولا من جاءوا بها، فقال صلى الله وبارك علي آله: (من آذى ذمياً فأنا خصيمه يوم القيامة) وجاء القران بالإشارة لِوحدة دور العبادة قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً. وحَصَرَ كثيرٌ من الناس الإسلام في الإسلام التاريخي مِن البعثة المحمدية وما تلاها، وأغفلوا كلام الله الذي يؤكد أن الرسل السابقين ما جاءوا إلا بالإسلام، ولهذا الإغفال وقع التنافر فيمن ظن ذلك أو جهله ومن تَعَمَّدَه. وإذا دَقَّقنا النظر في محاولةٍ لفهم قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً لوجدنا أن الدعوة إلى الله تشغل جزءاً من الكمال المحمدي فكانت الآية: ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةَِ خاليةً مِن الإكراه ومُناسِبةً لِخُلُقِ مَن جاء بها، قال الله سبحانه وتعالى: وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ وكان إذا احتاج لها موقف من المواقف يُؤمر بها فيقول له الحق سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم. فكانت رسالته في واحد مِن أعظم مشاهدها الحسية، وهو فتح مكة، تأكيداً علي حرية المعتقد، إذ لم يأمرهم حتى أن يقولوا لا اله الا الله وتركهم طلقاء مَن شاء فليؤمن ومَن شاء فليكفر، وكان هذا ما ترك النبي الناس عليه وأكَّده الحق سبحانه وتعالى لِختم الرسالة قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً، وكانت تأكيداً لِما بُعِث به النبي صلى الله وبارك عليه وآله حيث قال: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق). ولابد مِن زوال التَّمذهُب، لأنّ فيه نوع من العصبية التي تقود إلى التَّفَرُّق والتَّشّيُّع كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون، فالإسلام دعوة للوحدة لا تحده حدود جغرافية، إذن فهو ليس دولة، لذلك لم يأت الرسول صلى الله وبارك عليه وآله حاكماً أو أميراً ولا سلطاناً، بل قال تعالى: لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ والدولة لا تقوم إلا على السيطرة والتسلط، وهذان مخالفان لأسلوب الدعوة التي يفترض فيها الحكمة والموعظة الحسنة. ومِن جَرّاء الفهم الخاطئ للدين، رَكَضَ أصحابُ الرغبة في السلطانِ لِنَشرِهِ عن طريق السُّلطة. فأصبح الدين مصدراً للخصام والاحتراب والتفرقة وموسوماً بالإكراه ونَشرِهِ بالسيف.

الحضارة الغربية والحضارة الاسلامية ؛ تاريخ طويل من التقابل والاحتكاك ، دعنا نقلب في جذور بواعث التضاد والتقابل والتواجه (في حال وجوده) ؟ وكيف ولماذا تقدمت هي مادةً ومدنية وتراجعنا نحن روحاً وحضارة ؟

أما عن الحضارة الإسلامية فقد كان لها السبق، إلا أنها تضاءلت بسبب الفتاوى التحجيمية والمسنودة بالتسلط المستمد من الحكومات، ومثال ذلك علم (الخط) أو ما يسمى بعلم (الرمل) فجاء في حديث عن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في باب الكهانة في صحيح مسلم (قال يا رسول الله: منا أناس يذهبون الي الكهان، قال: لا تذهب اليهم، قال: ومنا أناس يتطيرون، قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنكم، قال ومنا أناس يخطون، قال: كان نبي من الانبياء يخط فمن وافق خطه فذاك.) وهذا دليل على صحة علم الخط وأن الذي يوافق خطه ما كان عليه ذلك النبي فلا يخطئ. فتجيء الفتوى من بعض أدعياء العلم مُحَجِّمةً ومُلاحِقةً صاحب علم الخط الذي يعتبره الكثير أنه شعبذة، فخاف كل عالِمٍ على ما عنده فوقفت الحضارة الإسلامية لا تبرح مكانها بِكَبت العلم والعلماء وتكفيرهم وربما قتلهم، بينما انطلق الفكر الغربي في إبداعاته فوصل إلى ما وصل إليه، مع الالتزام بالصدق وحسن السلوك لوجود الحرية وعدم التحجير، وهنا في دول المسلمين يسيطر الخوف علي العلماء والخوف هو العامل الأول في المدعاة للكذب، فلا تجد في السلوك المدني الغربي تصرفاً يوصف بالغش والكذب، بينما يتوفر في المجتمعات الإسلامية عرباً وعجماً
... وقد جاء عن النبي صلى الله وبارك عليه وآله حينما سئل أيكذب المؤمن قال كلا إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ.

في أي سياق تقرأ ظهور ما يسمى بـ (الارهاب ) وما خلفه من (حرب علي الارهاب )؟

ما صدر عن علماء المسلمين فيما يسمى قفل باب الاجتهاد هو في الحقيقة حكم بالقصور الفكري على كل من خلق الله من المسلمين منذ زمن أئمة المذاهب إلى قيام الساعة وتحجيرٌ على الله أن ينزل من فيض رحمته على من يشاء من عباده بعد ذلك الزمان، وأوقفوا الفيض الإلهي في العلم على من سبق فأصبح الذي يتحدث عن فهم جديد لنص مقدس محل اتهام وخروج عن السلف الذين اتخذ السلفيون فهمهم مقدساً كالنص الذي فهموا منه، بينما لا توجد قدسية لفهم، إنما القدسية للنص وليس لأحد الحق في تحجير رحمة الله ووقفها على السلف الذين لا عصمة لهم. وقد وجد فيما جاء عن السلف أو بعضهم تفاسير لنصوص في القران وقبول لأحاديث تصطدم مع نصوص القران، ما أدى إلى وجود فهم إكراه الناس علي الدين، ولو نظرنا إلى كتاب الله جل وعلا من أول سورة البقرة الم إلى آخر كلمة في كتاب الله النَّاسِ لا نجد فيه آية واحدة تحث على إرغام الناس على دين الله، كما نجد فطرة المسلمين غير قابلة لأن يوصف الإسلام بأنه فُرض قَسرياً على الناس، ولذلك رَفَض كل المسلمين وعلماء المسلمين ما قال به البابا بينديكت، حينما قال إن الإسلام فُرض بالسيف، بينما نجد حديثاً في الصحاح الست يُنسب إلى النبي صلى الله وبارك عليه وآله: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله)، وقد ثبت أنه فتح مكة ولم يقل لهم قولوا لا اله إلا الله كما ذكرنا آنفاً، فانتفى الإكراه في الدين في القران العظيم وفي سلوك المصطفى الكريم، بينما نجد من يحاول أن يروج لفرض الإسلام بهذا الحديث المصطدم مع القران ومع فعل النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وهذه القلة التي تروج لهذا المعنى هي التي جلبت للإسلام ما أُلصق به من إرهاب لا علاقة له بالإسلام على الإطلاق. فالإصرارعلى عدم قبول فهم مغاير لفهم من سبق من السلف الذي ليس له قداسة هو الذي أدى لعدم وجود التحاور الذي به يكون الخروج من التصادم المفضي إلى العنف. فما جاء الإسلام لاغياً لما سبق من أديان بل أوجب الإيمان بها وصَدَّق عليها وأعطى الحرية في العقائد والأديان لكل الناس قال تعالى: وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ، فالذي جاء به رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله هو تبيان لما سبق من ديانات وطرحٌ دون إكراه لكل الناس قال تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُر. فالذين تشبعوا بالفكر السلفي الوهابي الذي يرفض الآخر صارت تصرفاتهم نابعة من هذه الأفهام، وبالتالي يلجأون إلى تطبيقها في الواقع من زاويتين: أولاهما فيما يعتقدونه من نشر الدين بالعنف الذي يرفضه الدين، وثانيها في تصرفهم مع الآخر بالنظرة الدونية إليه وافتراض صحة ما هم عليه والحكم علي الآخر بالرفض لدرجه ترقى إلى إفنائه باعتقاد أن في ذلك إقامة للدين وتصحيح للمجتمع وهو معاكس تماماً لما جاء به الإسلام وما جاءت به الأديان السابقة التي كلها الإسلام قال تعالى: لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ. أما الرد على الفهم الخاطئ لما جاء به الإسلام كان يجب أن يكون بمنطق وفهم صحيح و رجوع لصحة مقصد البعثة. ولكنه كان أكثر إمعاناً في الخطأ من الذين جاءوا بتلك الدعوة، واستُغِلَّ ذلك من الجهات التي تسعى إلى التسلط والمصالح للوصول إلى مرادها، فقوبل العنف بعنف وهذا ما زاد الطين بلة، وأوقر الصدور، وأدى إلى رفض الآخر، فتضاءلت الحريات حتى في مجتمعات كانت تسمى راعية لها، فأصبحت الإدانة بالخروج عن الملة أقرب إلى الذي ينادي بالسلام والتفكير في تقارب الملل والإقرار بصحة الديانات السابقة وكتبها ورسلها.

هناك تشخيص عالمي لموجة متصاعدة وهادرة من (التدين السياسي الايديولوجي) وفي كل العالم نتلمس مظاهرها على اختلاف الملل والعقائد ، وتُشخيص هذه الموجة في شقها السياسي بصعود اليمين المتطرف هناك والاسلام السياسي هنا، كيف يمكن ان تقرأ التأثير المتبادل في الدين علي السياسة والسياسة علي الدين ؟ البعض يصفها بـ (الصحوة) وآخرون يرون فيها (إنتكاسة) : أي أن الدين يوظف لصالح السياسة والدين مطلق وثابت والسياسة متغير قابل للمراجعة .؟

أولاً، الدين حقيقة لا علاقة له بالسياسة قط، وهذا يشمل كل الأديان، إذ لم توجد دولة إبراهيمية أو موسوية أو عيسوية ولا دولة محمدية، فما كان محمد صلى الله وبارك عليه وآله حاكماً ولا متسلطاً ولا مسيطراً. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ فانتفت بذلك الحدود الجغرافية. فالذين تنقصهم الأفكار التي يجمعون بها الناس حولهم لإنشاء دولة يلجأون إلى اتخاذ الدين شعاراً ومطية لبلوغ مآربهم السلطوية البعيدة عن حقيقة الدين الذي لا علاقة له بالسلطان وقد قال النبي صلى الله وبارك عليه وآله: (إن الكتاب والسلطان سيفترقان)، وقد نجد في دساتير كثير من الدول أو الأحزاب التي تتولى إنشاء تلك الدول بأن (دين الدولة هو الإسلام) بينما الدولة ليست كائناً حياً حتى يكون لها دين أو لا يكون لها دين، أيضاً نجد شعار (القران دستور الأمة) وهو نقيض لقداسة القران الشامل لحرية الإنسان، وحصره في دولة ودستور يمكن أن يكون معرضاً للاستفتاء والتعديل. أما فيما يخص العالم الغربي، نجد أن اتساع موجة التدين السياسي ما نشأت إلا كَرَد فِعلٍ لما رأوه مما يسمى بالصحوة الإسلامية أو الدولة الإسلامية. أما الدين من حيث هو فلا يتأثر لأنه أساس الحريات وتدعيه الحركات السياسية لما فيه من الجاذبية التي أودعها الله فيه والتي غير الناس وبدلوا فيها، وكل خروج عن مقاصد الرسالات والتي هي خلق المجتمعات الفاضلة، البعيدة عن التعصب، المليئة بالحب والسلام، كل خروج عنها هو انتكاسة مهما أصر أصحابها علي تسميتها بالصحوة.

ما أنزل الله حقيقةً هو التشريعات، وليس الحُكم السياسي، فقوله تعالى: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (المائدة يعني الحكم بالتشريعات المنزلة في الكتب السماوية ولا يعني بأي حال من الأحوال الحكم السياسي. وكلمة "الحكم" لو تبصرنا فيها في القران نجد أنها تشير إلى الحكم القضائي؛ قال تعالى : فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً والتسليم هنا لا يعني رد التحية (السلام عليكم)، ولذلك فإن التسليم الذي ورد في الأمر الإلهي بالصلاة علي النبي لا يعني السلام، حيث قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ...ولم يقل سلِّموا سلاماً
فَهِمَ كثيرٌ من الناس أن الدين هو إقامة دولة، والواضح أن الدين لا يوجد فيه إكراه البتة بينما عنصر الإجبار والإكراه أساسي في قيام الدولة ، فطُلِبَت البيعة من المسلمين الأوائل بعد النبي لأجل السلطة باعتقاد أن السلطة هي الحامية للدين، بينما نجد أن الرسول صلى الله وبارك عليه وآله حينما بدأ الدعوة رفض أن يكون ملكاً ورفض أن يكون أكثر الناس مالاً حينما عُرض عليه ذلك، لتبيين أن الدين لا يقوم على السلطة والمال وهما الذان عليهما تقوم الدولة. قامت الدعوة لتُتَمِّم صالح الأخلاق، وهو مقصد الرسالة وبه يقوم المجتمع الصالح الخالي من الإكراه والتسلط. وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ...فوجب على من يسير على نهج الرسول صلى الله وبارك عليه وآله أن يكون كما قال الله تعالى: لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ فالسيطرة الحكمية كانت في المجتمع الجاهلي تتمثل في رفضه للآخر والهجوم علي المعتقد المخالف وهو الطاغوت. فجاء الإسلام بالحرية التامة للعقيدة وقبول الأديان السابقة وكُتبها وبالرفض لكل أنواع الحكم التسلطي قال تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ....بينما لم تقم الدعوة الإسلامية في كل الرسالات إلا بالحكمة والموعظة الحسنة وما كان على الرسول إلا البلاغ وما كان عليهم بمصيطر، وهذا الفهم الخاطئ للدين وتحجيمه بأنه سلطة أو دولة خطّ أسباب النزاع بين أكبر طائفتين من المسلمين، ففهمت طائفة منهم من قول النبي صلى الله وبارك عليه وآله: ( من كنت مولاه فهذا علي مولاه ) أن الولاية هنا تعني الدولة والسلطة، ولكنها حقيقةً تعني المرجعية الدينية، فالنبي صلى الله وبارك عليه وآله كان هو المرجعية للناس فيما يشكل عليهم من نزاعاتهم وفيما يشكل عليهم في علاقاتهم مع الله. فبين النبي صلى الله وبارك عليه وآله أن سيدنا علي عليه السلام هو مولى المؤمنين ومرجعيتهم، ولا يوجد ما يدل على انتهائها، ولم يكن معنى ولايته السلطة السياسية. فما نشأت الخلافات بين المسلمين إلا عند تحجيمهم للدين في إطار سياسي، فالدين لا خلاف فيه، وليست فيه دعوة للتحزب و الخلاف.

كنت من المشرعين لقوانين سبتمبر ، كيف تقيم التجربة وما هي حدود دورك فيها؟

أولا، أنا لم أكن عضواً في الاتحاد الاشتراكي. ودخولي الى القصر كان من باب القضاء، فقد عُيِّنت ملحقاً قضائياً برئاسة الجمهورية وانحصر دوري في صياغة قوانين الشريعة الاسلامية. ولم يكن لنا دور كلجنة تشريعية فيما يخص الأداء القضائي، ولا علاقة لنا بالأجهزة الأمنية أو التنفيذية، بل كنا نعاني أحياناً من نقص الورق الذي نكتب عليه، وقد كنت أحتاج أحياناً لاستلاف وقود من سيارة الأخ عوض الجيد حينما أريد الذهاب لأبوقرون في أيام الخميس عند نهاية الاسبوع. وقد فكرنا مراراً في ترك العمل إلا أنه كان يمنعنا ابتغاء مرضاة الله في إكمال التشريعات. والشريعة الإسلامية هي من أعظم المنجزات في حكومة مايو فيما أرى. فَهِمَ الكثيرون خطأً أن التشريعات الإسلامية تعني الحكم السياسي الإسلامي، فما التشريعات حقيقةً إلا قوانين ربانية في كل الأديان لخلق مجتمع فاضل، وعلى من يؤمن بها الالتزام بها شرعاً دون إكراه أو إجبار. وهي تطبق في المحاكم وليس للحاكم فيها دخل وليس له سلطة بها على الناس ، إلا إذا جاءوه ليحكم بينهم بعد إيمانهم بها وقبولهم لها ... يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ... فهم الذين يُحَكِّموه وليس هو الذي يجبرهم على ذلك.

ألا ترى أن النميري أراد أن يًكسب نفسه شرعية جديدة بعد أن تآكلت عنه وقتها الكثير من الشرعيات السياسية التي كان يعتمد عليها، وأراد ،ربما، أن يوظف ما صنعتم من عمل لصالحه؟

ما أنزل الله من تشريعات هي قوانين تطبق قضائياً وليس لها علاقة بالحاكم ولا تعطيه صلاحية أكثر من غيره في تطبيق القوانين فهي حقيقة تساوي بين الحاكم والمحكوم. ولكن الفهم الخاطئ للمسلمين بأن ما أنزل الله هو الحكم السياسي هو الذي أدّى إلى تقديس الحكام بما لا ينبغي أن يكون لهم.

جاءت كل الرسالات السابقة بالتشريعات وهي ما أنزل الله، والذين يؤمنون بها مطالبون بتطبيقها، فقد قال تعالى:
وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ..... وهنا يتبين لنا أن الحكم الذي في التوراة هو نفس الحكم الذي نطبقه في الشريعة المحمدية كالنفس بالنفس الخ ....
لقائي بالرئيس نميري ومناقشة وضع قوانين الشريعة كان بعد طرحه للعدالة الناجزة. وكنت قد اقترحت على الرئيس آنذاك أن يعين معي الأخ عوض الجيد لنقوم بوضع التشريعات الإسلامية. فوافق على ذلك وعيَّن معنا الأستاذة بدرية سليمان. وقد كان وضع قوانين الشريعة الإسلامية لحظة تاريخية لهذا الوطن ولكل الأمة الإسلامية. وأنا راضٍ كل الرضا عن هذه التجربة من حيث التشريع.

هل يعني هذا أن النميري كان خالي الذهن من المسألة وانتم من بادرتم باقتراحها؟

النميري كانت له الفكرة في تطبيق الشريعة، وكان قد قدم مسبقاً مسألة العدالة الناجزة، فقمنا أنا والأخ عوض الجيد والأستاذة بدرية سليمان بصياغة قوانين الشريعة الإسلامية. والجدير بالذكر أنه لم يكن لأي طرف آخر عِلمٌ بهذا التكليف حتى وقت صدور القوانين.

بعد أن انتهينا من صياغة القوانين، أتت مرحلة تطبيق القوانين من قبل القضاة. وقد كانت تلك أول تجربة للقضاء السوداني في تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية. فكان لابد من وقوع التجاوزات والأخطاء في تلك الفترة.

التشريع لا ينفصل عن التطبيق، فهل كان هناك أي نوع من الاستدراك والمراجعة؟

التشريع لا علاقة له بالتطبيق ولا يجوز لمُشَرِّع أو صاحب سلطة التدخل في شؤون القضاة. وكل تجربة جديدة لا يتوقع فيها حدوث الكمال أو النتائج المرجوة منذ بدايتها، بل لا بد فيها من وجود أخطاء تتدارك بمرور الزمن.

هل واجهتم النميري لمرة بان هناك مؤشرات حقيقية على أخطاء وتجاوزات توجب نوع من المراجعة؟

فيما أرى فإن التشريعات ما كان عليها بأس. فإن كانت هناك تجاوزات في مرحلة التطبيق، فإننا لم نُكلف بمباشرة أو تقييم التطبيق، فهذا قد كان ضمن اختصاصات المؤسسة القضائية.

اذن ، لم تواجه النميري بمسألة التجاوزات؟

أبداً.

كيف ترى الفكر الجمهوري؟

الفكر الجمهوري تطور من فكر صوفي، ولم يُسبق بمؤلفات بمثل ما جاء من مؤلفات الاستاذ محمود محمد طه. وكان شعارهم الحرية لنا ولسوانا - الأمر الذي يحتم على معتنقي الطريقة الجمهورية سعة الصدر وقبول الآخر والرضاء بقدر الله.

هل أنت راضٍ عن السياق والمسار الذي أتبع في قضية اغتيال المفكر محمود محمد طه؟

حينما أصدر الإخوة الجمهوريون منشورهم الناقد والمعارض للتشريعات الإسلامية كتبت للسيد الرئيس طالباً محاكمة الفكرة المضمنة في المنشور، والمطالبة بمحاكمة لا تعني المطالبة بإصدار حكم معين. فجرت المحاكمة وتغيَّر مسارها من محاكمة منشور فكري معارض إلي محاكمة رِدَّة، ووصل الأمر إلى مرحلة الاستئناف وتنفيذ الحكم. وأثبتت المحكمة الدستورية فيما بعد بطلان حكم المحكمة الأولى، وجاء ذلك بعد تنفيذ الحكم.

دعنا نقترب من الانسان كقيمة انسانية ، بغض النظر عن لونه أو جنسيته أو ديانته، هل ترى في العالم الان ما يجمع الناس، كل الناس، أم أن عناصر التفرقة والتشتت هي الغالبة ؟

لا يوجد ما يعطي الإنسان قيمته ويميزه في الكون مثل الدين، فالله سبحانه وتعالى يقول: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً .... فما جاء دين لعنصر أو جنس، بل أقر خاتم الأنبياء أنه لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى وحرَّم دم الإنسان حيث قال تعالى: ..مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً... ولكن الفهم الخاطئ للدين استباح دم الإنسان بحكم التطرف الديني، الذي يعتقد أصحابه أنهم بقتل الإنسان يتقربون إلى الله! ولا يوجد ما يجمع الناس غير الدين لأن فيه الحرية التي تقبل الآخر وتعطي المساحة لكل صاحب فكرة أن يطرح ما يعتقد ولا يعيب الآخرين أياً كان نوع طرحهم أو اعتقادهم، وحسابهم على الله لا على الحاكم.

المرأة في الإسلام: ما بين أن تقر في قعر بيتها وأن تخرج لتنطلق وتبدع يتنازعها العلماء. أين أنت من قضايا المرأة؟

جاء الإسلام بإعطاء المرأة الحرية والمشاركة حتى في الحروب وهو الأمر الذي كان يعتقد أنه خاص بالرجال فقط فشاركت المرأة مع الرسول صلى الله وبارك عليه وآله في الحرب - وما كانت من المحارم - وجاء في البخاري أن الأَمَة كانت تأخذ بيد الرسول صلى الله وبارك عليه وآله وتذهب به حيث شاءت في شوارع المدينة وجاء أيضاً في البخاري عن مسروق قال : ( دخلنا علي عائشة فوجدنا عندها حسان بن ثابت يُنشد شعراً ) وهذا يدل علي أن مسروق كان معه عدد من الناس دخلوا علي عائشة وسبقهم إليها حسان ينشد شعراً، مما يدل على عدم التحرج في لقاء الرجال بالنساء. وقد جعل الله سبحانه وتعالى في أهم عباداته اختلاط الرجال بالنساء وذلك في الطواف مع ضيق المكان، والرجال نصف عراة وجعل النساء خلف الرجال في الصلاة دون حاجز بينهم. لذلك فإن ما نراه اليوم من اتخاذ مصلىً خاص بالنساء ووضع الحواجز في الصلاة بين الرجال والنساء ما هو إلا تشكيك في أن النبي صلى الله وبارك عليه وآله قد أدى رسالته كما ينبغي. ورغم وجوب كشف المرأة لوجهها ويديها في الإحرام وفي الصلاة، نجد هناك محاولات من البعض لتغطية وجهها بالكامل والمغالاة في ذلك، وقد قال تعالى: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ... فلو كان الخمار هو المشروع، لما كان هناك ما يوجب غض الطرف. كما يقف بعضهم في صحن الطواف لمحاولة تفريق الرجال من النساء، وكل ذلك ليس له مبرر سوى الشك في قوله تعالى: ... الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً....وهو ما تَرَكنا عليه النبي صلى الله وبارك عليه وآله، وهو قمة الكمال التشريعي ولا مجال لاجتهاد بعده. وقد كانت المرأة في عهد النبي تمارس نوعاً من أنواع الطب وقد كانت إحداهن تُرقي من النملة (مرض يصيب الجلد) وذات السموم وأجازها النبي - رغم أن رقيتها كانت بألفاظ غير عربية.
لم يتزوج الرسول صلى الله وبارك عليه وآله على السيدة خديجة حتى انتقلت عن عمر 63 عاماً وفي ذلك دلالة على أن ما جاء بعدها من زيجات كان لأسباب اجتماعية وإنسانية تتعلق بمنهج الدعوة ولهذا جاء القرآن مبيناً للناس أن الأصلح هو عدم التعدُّد: وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ ... . والذين يتعللون بنقص المرأة نتيجة للعوامل الطبيعية التي تطرأ عليها كالحيض مثلاً فليعلموا أن الحيض هو مسألة لها من التقدير الديني أن أسقط الله عن المرأة العبادات في تلك الحالة، ، وذلك لأن الجنين لا يتكون إلا بتغذيته من هذا الدم الذي جعله الله لخلق الإنسان المُكرم من قِبل الخالق، فما الإنسان إلا نتاج هذا الذي يتقزز منه أصحاب هذه الفتوى التي ينتقصون بها من قدر أمهاتهم اللائي وَلَدنَهُم بما قدّره الله عليهن في خَلقِهِ لَهُنّ في أحسن تقويم، وهذا خَلقُ الله.
نجد أن الإسلام بدأ في تحرير الرّق بسبل شتى منها طرق عبادة وطرق عقلانية ومعاملاتية، وكان لابد من التدرج في إنهائه. وكذلك كان أمر المرأة التي لم يكن لها وضع في الجاهلية وكانت تُوءد حية، فمنع الإسلام ذلك ونهى عن أنواع الزيجات المهينة للمرأة وجعل للزواج عقداً اشترط فيه موافقتها. فنرى أن هناك تدرج لإعطاء المرأة مكانتها في المجتمع. ووضع الرسول صلى الله وبارك عليه وآله أسس العلاقة بين الرجال والنساء، فقال: ( النساء شقائق الرجال )، وبَيَّن ما ينبغي علي الرجال نحو المرأة من الاحترام والحُب والإكرام فقال صلى الله وبارك عليه وآله: (حُبِّب إلي من دنياكم النساء) وقال ( ما أكرم النساء إلا كريم ). وإذا أوجب الظرف والمجتمع توليتها فلا يوجد ما يمنع ذلك.

الناس تشكو الفاقة والفقر الشديد وضيق الحال واستفحال العلل في النفس والمجتمع ؛ بيدنا أم بيد عمرو ؟

قال صلى الله وبارك عليه وآله: ( من قال هلك الناس فهو أول الهالكين ) لذلك على الإنسان أن يبدأ بنفسه قبل أن يُعَلِّق ما أصابه على الآخرين؛ قال تعالى لنبيه الكريم: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ ......ورغم أن الضغط النفسي وقول الناس عوامل خارجية، فإن التوجيه الإلهي كان للانكباب على الذات وإصلاحها، وجعل ذلك هو الأسوة الحسنة. ولا يعفي ذلك أصحاب التكليف والقائمين بالأمر من مسؤولياتهم عن النظر إلي الرعية وحفظ الإنسانية ورعاية الأسرة والحفاظ على كرامة الإنسان من الحاجة والقهر والظلم.

العالم فائر يمسك بعضه بتلابيب بعضه الآخر ، شدٌ من هنا وجذبٌ من هناك : تهديد نووي /حروب غامضة ومعتمة/ مشاريع للفوضى/وطغيان لعناصر العرق والقبيلة وتراجع في معاني الوطن والوطنية والاخاء والتعاضد ودعاوى للانفصال والتفتت ؛ أمتفائل أم متشائم حيال ما يمكن أن يشهده العالم ؟

لم يُرد الله سبحانه وتعالى لخلقه إلا الخير، فأرسل رسله لقيادة الناس إلى خلق المجتمعات الفاضلة. ولا يتم ذلك إلا بوجود قاسم مشترك ألا وهو الحُب، وبالحب تتآلف النفوس وتقبل الآخر وتتضاءل الفوارق وتتقارب المنهجيات وتنتفي النزاعات، أياً كانت - قبلية أو عرقية أو طائفية أو حتى عقائدية. فالحب هو سبب الخلق ( كنت كنزاً مخفياً فأحببت أن أُعرف فخلقت الخلق وتعرفت إليهم فبي عرفوني )، والحب هو الإيمان ولا يكون الإيمان إلا به لقوله صلى الله وبارك عليه وإله ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وماله وولده والناس أجمعين )، والحب هو سبب النماء البشري والاجتماعي ... وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً... والحب هو الدافع لفعل الأفضل في كل شيء حتى في التعامل. ورغم ذلك فقد فُقِد تماماً عند الفكر الوهابي، وربما يُنظر إليه كعيب، حتى كلمة "حب" يتأففون من النطق بها كأنها نقص في الرجولة أو عيب في الرجل! وأصبحت الرجولة هي إظهار القسوة والعنف والقتل وكل ما يخالف ما جاء به الرحمة المهداة الذي لا يوجد في رسالته مساحة حتى للعن الكفار، فحينما قيل له ادع عليهم قال ( لم أبعث لعاناً إنما بعثت رحمة )، وقام حينما مرت به جنازة يهودي إكراماً للإنسانية صلى الله وبارك عليه وآله. وما حكَّم المؤمنون الأوائل النبي عليهم وسلَّموا له تسليماً إلا لحبهم له، لا لأنه قهرهم بالحكم والسيف، فكان صلى الله وبارك عليه وآله مُحَكَّماً برضاء وتسليم، لا حاكماً مسيطراً، كما قال تعالى لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ....وكان أحب إليهم من أنفسهم وأحب إلى كل من يعرفه من نفسه وماله وولده إلى يوم البعث، وينتفي بحبه التناجش من كل النفوس المشتركة في هذا الحب إن كانوا حقاً مسلمين وبه مؤمنين وبِقَدرِه وبحب الله له عالمين، ولحب الله له، مَنع حتى الذباب من أن يسقط على جسده الشريف صلى الله وبارك عليه وآله وجعل رفع الصوت عند حضرته يحبط الأعمال.

 

* نشر الحوار في جريدة أجراس الحرية السودانية – أكتوبر 2008