الاهرام اليوم (3)

الشيخ النيَّل أبوقرون يخرج عن صمته ويروي لـ«الأهرام اليوم» شهادته للتاريخ: (3-3)

حوار ـ عزمي عبد الرازق

• شيخ النيّل، أنت متهم بأنك تقود تياراً شيعياً في السودان، ما صحة ذلك الاتهام؟ خصوصاً أنه صدر بيان ضدك يقول إنك حكمت على نوايا بعض الصحابة؟

- يا أخي، هم قالوا (الطاردك ما بخليك، والمرخصك ما بغليك).. ولو أمسكت بأي شخص من الذين يروجون لذلك وسألته هل جلست مع النيّل أبو قرون؟ فسيقول لك لا. أنا طرحي قائم حول الذات النبوية، أين المسلمون من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ في المصادر الموجودة . السنة يقولون أنني شيعي والشيعة يقولون أنني سني مستبصر.

الهيئة التي عليها الشيخ النيّل (العمامة السوداء والضفائر المسدلة والتفاصيل التي تبدو للبعض غريبة).. ما هو السر من ورائها؟

- الرسول صلى الله وبارك عليه وآله دخل مكة وعليه عمامة سوداء وأربع غدائر، أما الجلباب الأسود فهو موجود في كل مكان، وبالنسبة للعمامة السوداء فعندما لبستها سنةً وتمثلاً بالنبي كان الإمام الخميني في فرنسا قبل أن تشهر الثورة الإسلامية في إيران هذا الأمر.

هل زرت إيران؟

- نعم، مرتين، ضمن وفد كبير كان فيه أغلب قيادات الحركة الإسلامية والطرق الصوفية.

هل لديك أحباب ومريدون فيها من الشيعة؟

- لا.. وقد كنا مع نائب الرئيس الأستاذ علي عثمان وبعض مشائح الطرق الصوفية، والآن حتى الشيعة أنفسهم لديهم حسينيات موجودة في كل مكان بالسودان، ودعموا وشيدوا كثيراً من المباني والضيافات في مساجد الطرق الصوفية، كمثال في شرق النيل هنا في أم ضواً بان، والعجيب في الأمر نحن هنا في أبو قرون لم يعطونا (طوبة) واحدة، فكيف نكون نحن شيعة والآخرون سنة؟ حتى في الأحداث الجليلة التي مرت علينا، كوفاة أولادي، كل الدنيا حضرت وقدمت واجب العزاء ولم يأت أحد منهم يعزيني، فكيف أكون زعيمهم أو حتى منهم؟

• الدكتور الترابي أطلق آراء تجديدية أخيرة أثارت جدلاً كبيراً وجرّت عليه اتهامات بالتكفير، منها زواج المسلمة من مسيحي، ومن ضمنها أيضاً عدم ظهور المهدي والمسيح.. ما رأيك فيها؟

- أنا أصلاً لا أحجر على أحد أن يفكر، طالما أن ربنا في الكتاب قال «مَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ»، لا آخذ موقفاً عدائياً من أي شخص طرح فكراً معيناً، وبالنسبة لي فالمسيح لا بد من ظهوره (وما المهدي إلا عيسى)، فالمهدي الذي ينتظرونه لن يكون رئيس دولة أو حاكماً، فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: «بدأ الدين غريباً وسيعود غريباً كما بدأ»، والنبي نفسه صلى الله عليه وسلم بدأ مرفوضاً كما أن المهدي سيكون مرفوضاً دينياً واجتماعياً، وهو سيعيد الأخلاق التي دعا إليها رسول الله صلى الله وبارك عليه وآله، ولو كان المهدي تابعاً لمذهب فلا داعي له لأن المذهب أصلاً موجود وسيقولون إنه خرج على أهل السنة والجماعة.

قرأت في أحد (المنتديات) أنك أحضرت رساماً شهيراً وطلبت منه أن يرسم لك لوحة على هيئة المسيح.. ما صحة ذلك الزعم؟

- (ضحك) وقال: هذا كلام غريب وليس له معنى ولا يستحق الرد.

لماذا أنت منقطع عن المشاركات السياسية والعمل العام؟

- المشاركات للسياسيين وأنا موجود هنا في المسيد، ولكن الود لم ينقطع بيني وبين السياسيين.

زاركم الأمين العام للحركة الشعبية باقان أموم في هذا المسيد وعلمنا أنك تحدثت إليه حديثا استمع إليه باهتمام.. فماذا دار بينكما؟

- نعم، زارني، وقلت له ليس بيننا احتراب ولكن بيننا احترام وإيمان بعيسى وإنجيله وبموسى والتوراة، وقلت له إن العلاقة بيننا علاقة محبة ومودة وليست علاقة بغض، كما أن الإسلام لم يأت لإلغاء الديانات السابقة، وإنما جاء مكملاً لها، حتى يكون الناس على بينة، فليس هناك تعالٍ على الآخرين، ومن يعتقد أن الإسلام هو الأفضل؛ فهذا الأفضل بطبعه جاذب لا يحتاج إلى إجبار البعض عليه، ومن ناحية سياسية ذكرت له أن الرمز الذي يمكن أن يُجمع الناس عليه هو الرئيس عمر البشير، كما أن السودان مستهدف في رمزه من قبل الجنائية، كان هذا الكلام قبل الانتخابات، وبالنسبة للوحدة قلت له وجودكم في وطن واحد يعزز مفهوم التسامح الديني، والعلاقات الدينية بين أتباع الرسالات في الشمال والجنوب سوف تكون أفضل، أما إذا حدث انفصال فقد يؤدي إلى عكس ذلك وسوف تنكفئون جنوباً وتستغرقكم القبليات والحروب لأسباب كثيرة، وكذلك الإرهاب والهوس الديني في الشمال، ولذلك الوحدة أفضل وأمثل لكم ولنا، والسيد باقان قبل هذا الكلام بصدر رحب.

طيِّب، أنت تقول إن الإسلام دين ودعوة، وليس ديناً ودولة، كما أن حديثك عن فصل الدين عن السياسة لا يستقيم مع مطالبتك بتطبيق الشريعة الإسلامية، فهل تدعو إلى علمانية جديدة؟

- فليرجع الناس إلى النصوص والسيرة المحمدية التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم في (23) سنة، والقرآن يقول « فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ»، ويقول «وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ». الدعوة لم تكن بالسيف وإنما هي بالبلاغ « أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ».. السيف أصلاً ليس له وجود في الدعوة، يكون له وجود في حالة نشوب الحروب، «وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ». ففي هذه الآية تكفل الله بإيصالها، فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما عُرض عليه أن يكون ملكاً رفض، وعندما عرضوا عليه المال رفض، بينما الدولة لا تقوم إلا على المال والسلطان، والرسول صلى الله عليه وسلم قام بالدعوة على عكس ما تقوم به الدولة وهو السلطان والمال، ولذلك، لصدقها وصحتها، انتصرت، لأنها حق والحق لا يحتاج إلى دعم والمدعوم ضعيف والداعم أقوى من المدعوم فالدعوة لا تحتاج إلى دعم وسلطة وإكراه.

الدكتور عبد الحي يوسف والشيخ محمد الأمين وبعض العلماء في السودان قالوا فلتذهب الوحدة إلى الجحيم إذا كانت على حساب الشريعة.. حسب فهمك كيف نخرج من هذا المأزق وهل الوحدة بشروطها تلك ضد الشريعة الإسلامية؟

- الشريعة الإسلامية تستوعب الكل، الشريعة الإسلامية أوسع من أن تضيق بالجنوب وترفض جزءاً من الناس وجزءاً من الوطن. هي تقبل المسيحي والكافر والعلماني، كما ينبغي أن تكون هناك مراجعات لهذه المفاهيم وفهم للشريعة.
• ماهي الحلول المقترحة الآن لمحاصرة الأزمة في السودان والتعامل مع ما ستفرزه نتيجة الاستفتاء لا سيما من ردك على السؤال السابق وكأنك تقترح طريقاً ثالثاً؟
- الشريعة الإسلامية هي المخرج، ولكن بفهمها الواسع، الفهم الذي يضمن للآخرين حرية العبادة واحترام الأديان والحرية الكاملة للإنسان، فالطرح المحمدي يمنع إجبار الآخرين، فالرسول عليه الصلاة والسلام لم يكره أحداً في دينه، وحتى ما أسموها غزوات هي كانت معارك دفاعية، فبدر لم تكن غزوة ولا أحد ولا حتى الخندق، الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن غازياً وإنما هو دفاع عن الدين والنفس، ولذلك فلا بد من إيجاد طريق ثالث، وفي تقديري لا بد من الرأفة بالمواطنين وتسهيل الحياة للناس، وهو المطلوب الأساسي، ودعم قيم الإخاء والمحبة، فالله لم ينزل ديناً معيباً وكل ما نزل من السماء هو صحيح، والإسلام بدأ من نوح عليه السلام ولذلك فإن تكفير الآخرين وسلب الإيمان منهم ومحاولة وصفهم بأنهم أقل درجة هو أمر مضر، فالعلم عند الله من هو الناجي، ولم يجعل الله له وكيلاً في الدنيا لمحاسبة الناس، ونظرة الأخوَّة تضفي على الحياة نظرة متوافقة وكريمة.